محمد أبو زهرة

3393

زهرة التفاسير

يكونوا من النظارة الذين لا يخوضون الحروب ، وأن يكونوا كالنساء قاعدات في أخدارهن ، وقال تعالى في الباعث الذي بعثهم على هذه الحال المزرية بالرجال فقال تعالت كلماته : وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كرهوا أن يخرجوا مجاهدين بإنفاق أموالهم ؛ لأنهم بخلاء في كل ما هو خير ، وكرهوا أن يجاهدوا بأنفسهم ؛ لأنهم جبناء أولا ، ولأنهم لا يؤمنون باللّه ، ولا يجاهدون في سبيله ثانيا ، وقال سبحانه : وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا ولم يقل كرهوا أن يخرجوا ، مع أن الكراهة ابتدأت بالتثاقل في الخروج ، بل قال : وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا للإشارة إلى سبب عدم الخروج أولا ، وللإشارة إلى حال المؤمنين المجاهدين بأموالهم وأنفسهم ، فهو تعريض بالمؤمنين فيه مقابلة بينهم ، فالمؤمنون يتحملون المشاق ، والمنافقون يتخاذلون . وقد اتخذوا لعدم خروجهم تعلة أخرى ، وهي الحر الشديد وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ أي قالوا فيما بينهم مجمعين على هذه التعلة ، فقالوا فيما بينهم ، ووصلت إلى مسامع المؤمنين ليخذلوهم ، راجين أن يبثوا الفزع بينهم ، ويثبطوهم عن الجهاد ، وقد أمر اللّه تعالى نبيه أن يرد هذا القول ببيان أنهم مخيرون : جهاد في الحر ، أو لقاء جهنم ، ولا مناص من أحدهما ، فقال عزّ من قائل : قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا أي أنهم إن كانوا عقلاء يدركون أن هذا الحر الشديد موقوت ، ومربوط به العزة والكرامة ، وإرضاء اللّه ، وإن تركوه استقبلهم عذاب الأبد ، وهو نار أشد حرارة ، بل لا يوازيها حر الدنيا ، وإن الحر الموقوت بأجل الذي يترتب عليه خير عظيم ، أولى بالترك والإهمال من الحر الدائم بنار جهنم ، وذلك يكون لأهل الإدراك والموازنة بين تعب عاجل قليل ، ونار دائمة ، ولذا قال تعالى : لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ الفقه الإدراك النافذ إلى لباب الأمور ، فلو كانوا يفقهون الأمور لوازنوا بين ما يستقبلهم في تخلفهم ، واتقاء حر الدنيا ، وبين ما يلقونه بعد البعث ، وإنه لآت لا ريب فيه ، وجواب ( لو ) محذوف للإشارة إلى أنهم يرون هو لا عظيما .